لماذا طلب النبي موسى (ع) من الله تعالى أن يراه؟

«ولما جاء موسىٰ لميقٰتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولٰكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلىٰ ربه للجبل جعله دكا وخر موسىٰ صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين.» [١]

هذه الآية ظاهرها أن النبي موسى (ع) طلب من الله تعالى أن يراه، ولكن المعنى ليس الرؤية البصرية حتما. قد يكون المقصود الرؤية الباطنية، أو أن الطلب كان في الحقيقة طلب الجهلة من قومه لا طلبه هو.

وإليك تفصيل الجواب:

لا ينبغي أن ننظر إلى نبي من الأنبياء كأنه واحد منا، فحاشى لنبيٍ أن لا يدرك بديهيات عقائدية مثل الرؤية البصرية لله عز وجل، فهنا لا بد من معرفة مفهوم الرؤية بما يناسب سياق واستخدامات هذه الكلمة في الآيات القرآنية.

وقد وقع كلام كثير بين المفسرين حول حقيقة هذه الآية فذهب بعضهم ومنهم العلامة الطباطبائي إلى أن المقصود بالرؤية هنا هو الرؤية المعنوية الشاملة الكاملة، وبما أن هكذا رؤية شمولية مستحيلة في هذه الدنيا، فقال له الله تعالى: لن تراني.

يقول العلامة الطباطبائي:

“فقوله: «و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك» سؤال منه (ع) للرؤية بمعنى العلم الضروري على ما تقدم من معناه فإن الله سبحانه لما خصّه بما حباه من العلم به من جهه النظر في آياته ثم زاد على ذلك أن اصطفاه برسالاته و بتكليمه و هو العلم بالله من جهه السمع، رجا (ع) أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية وهو كمال العلم الضروري بالله والله خير مرجو ومأمول. فهذا هو المسؤول [المقصود] دون الرؤية بمعنى الإبصار بالتحديق الذي يجلّ موسي (ع) ذاك النبي الكريم أن يجهل بامتناعه عليه تعالى وتقدس.

وبعض المفسرين ذهب إلى رأي آخر وهو أن طلب الرؤية لم يكن من باب الحصول على نوع من الإدراك الباطني والمشاهدة الباطنية، أو نوع من الشهود الكامل الروحي والفكري. إنهم يقولون إن طلب رؤية الله كان مطلباً طرحه جماعة من جهلة بني إسرائيل إذ أصروا على موسى (ع) أنهم لن يؤمنوا حتى يروا الله تعالى بالعين الباصرة. هؤلاء الجهلة لم يعرفوا أن الرؤية تستحيل على العين الباصرة (لا تدركه الأبصار) بل تدركه عين البصيرة والإيمان.

فانظر إلى جواب الإمام الرضا عليه السلام هنا:

في أحد مجالسه سأل الخليفة العباسي المأمون الإمام الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله أليس من قولٍ إن الأنبياء معصومون؟

قال: «بلى»

قال: فما معنى قول الله عز وجل إلى أن قال: «ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني»، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأل هذا السؤال؟

قال الرضا: «إن كليم الله موسى بن عمران علم أن الله تعالى منزه عن أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجيًّا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله تعالى كلمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته … ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه … فكلمه الله وسمعوا كلامه … فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، … فقال موسى: يا قوم إن الله تعالوا لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له … فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: «رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل» بآية من آياته «جعله دكا وخرَّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تُبتُ إليك» أي رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي «وأنا أول المؤمنين» منهم بأنك لا تُرى».

في الحقيقة، إن موسى عليه السلام أراد من خلال عبارته «أرني» وردّ الله تعالى «لن تراني» أن يُفهم الناس أنه إذا كانت رؤية الله تبارك وتعالى تستعصي عليّ، فكيف بكم أنتم؟

وفي رأي هؤلاء المفسرين هذا هو سبب طلب النبي موسى عليه السلام من الله تعالى أن يراه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى