أهمية الخواص في المجتمع الإسلامي

لقاء مع الإخوة في مجموعة المنتظرون حول أهمية الخواص في المجتمع الإسلامي

مكتوب اللقاء

بما أن اللقاء كان مع فئة الأشبال لم أستطع التفصيل كثيرا في جميع القضايا لعدم حصول التشتيت عندهم، ولكن هنا أقدم المحتوى كاملة بتفصيل أكثر للذي يريد الاستفادة. كذلك يمكنك تنزيل تشجيرة المحتوى من هنا.

المقدمة

إننا لو نظرنا إلى الحياة البشرية منذ خلق النبي آدم عليه السلام حتى زماننا الحالي، نرى أن هناك بعض المتغيرات كطريقة اللبس وتطور التكنولوجيا مثلا، ونرى أيضا بعض الثوابت والأصول والعناصر المشتركة بينهم. إن دراسة هذه العناصر المشتركة في التاريخ تعلمنا الكثير من أسباب النجاح والفشل في الحياة، لذلك لدينا آيات قرآنية تقول لنا: “فاعتبروا”.

من جملة هذه العناصر المشتركة تحديد ولاية الإنسان تجاه الله سبحانه وتعالى. إن الولاية مذكورة في القرآن أكثر من ٢٠٠ مرة. يقول الله تعالى: « الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ». هذا الإخراج من الظلمات إلى النور يحدث بوسيلة حاكمية القانون الإلهي وإرسال الرسل والكتب من أجل تنفيذ هذه الحاكمية. بتعبير آخر ولي الله هو المسؤول عن إخراج الناس من الظلمات إلى النور. نتيجة هذا الإخراج هي النور والهداية والسعادة والطمأنينة والنجاح والفالح. في المقابل هناك ولاية الشيطان؛ يقول الله تعالى: « … والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ». بتعبير بسيط:

  • الله سبحانه وتعالى يريد تنوير المكان والشيطان والطاغوت يريدان إطفاء نور المكان.
  • إبراهيم عليه السلام يريد ينور المكان ونمرود يريد إطفاء النور فيلقي إبراهيم في النار.
  • موسى عليه السلام يريد النور لبني إسرائيل، وفرعون يريد إبقاءهم في الظلمة.
  • النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يريد تنوير العالم، والكفار يريدون إطفاء هذا النور.
  • الإمام الحسن عليه السلام يريد النور، ومعاوية يريد للظلمة والجهل أن يبقى
  • الإمام الحسين عليه السلام يريد النور والإصلاح، ويزيد يريد الظلمات.

نتيجة ولاية الشيطان هي الظلم والدمار والفساد والرجس والخبائث. والمعركة بين الحسين عليه السلام ويزيد هي أوج التقاتل بين أصحاب النور وأصحاب الظلمات ونتائج كل ولاية. مع أنه الحسين وأصحابه قلة ولكنهم لامتلاكهم ولاية الله فهم المنتصرون حقاً ولو بالشهادة في سبيله. وكما ترون هذه المعركة بين النور والظلمة لا توقف لها إلى يوم القيامة، هذا القطبان دائما التضاد بينهما، فطالما هناك جبهة باطل يريد كتم نور الحق، هناك جبهة حق يسعى لإتمام هذا النور في الكون. فاليوم أيضا، من يكون تحت بيرق الحسين عليه السلام، هو في الحقيقة تحت ولاية الله عز وجل. الفقهاء والمراجع الكرام كذلك يبينون طريق الإمام الحسين، وطريق أهل البيت عليهم السلام، فمن يكون تحت بيرقهم فهو في ولاية الله. بل أكثر، لوجوب وحدة القيادة عقلا، الإمام الخامنئي دام ظله هو قائد هذا الطريق في هذا الزمان فهو العالم الفقيه الولي، فمن يكون تحت رايته فهو في ولاية الله حتما.

إذن فلنقلها ببساطة وخلاصة:

من تولى الله صار من:

  • الأولياء
  • عليهم السلام
  • سلام الله عليهم
  • رضي الله عنهم
  • الخواص

ومن تولى الشيطان والطاغوت والنفس صار من:

  • الخاسرين
  • الفاسقين
  • المنافقين
  • الكافرين
  • الملعونين

الآن كي نكون ممن يتولون الله لا بد من دراسة حياة هؤلاء الخواص سواء من جبهة النور أو جبهة الظلمات، لكي نعرف أين هي مكامن النجاح والفشل عندهم. كذلك لأننا سنكون حتما في يوم مطالبون بأخذ القرارات الحاسمة في المواقف المصيرية، لا بد أن نعرف سبيل ذلك. بتعبير آخر، فلاحنا مقرون بمعرفة أحوال الخواص، ولهذا الإمام الخامنئي دام ظله يعطي أهمية قصوى لطرح هذه القضية في الكثير من كلماته وخطبه.

من هم الخواص؟

على أساس التقسيم الاجتماعي، ينقسم الناس عادة إلى عوام وخواص. العوام هم الذين ليس لهم تحليل معين للأحداث، فعلى سبيل المثال تراهم لا يمتلكون تحليلا دقيقا لأسباب ومناشئ التطبيع مع الكيان الصهيوني، فهم يسيرون مع الجو السائد وغالبا ما يكونون مع الأغلبية في الأحداث الواقعة. الكل يهتف فهم يهتفون، الكل يسكت فهم يسكتون.

في المقابل الخواص هم أصحاب التحليل والفكر، هم أصحاب الصبر والصمود والمقاومة، هم أصحاب البصيرة والرؤية الواضحة، هم صُنّاع الأحداث التاريخية وأصحاب النفوذ والتأثير على العوام.

وقد يظن البعض أن الخواص هم يعني علماء الدين مثلا، ولكن هذا الكلام غير صحيح، فقد يكون الإنسان عالماً كبيراً ولكن في الحقيقة هو من العوام لأنه لا يمتلك التحليل والتدقيق الصحيح لمجريات زمانه ومكانه. أما في المقابل فقد يكون هناك شخص لا يعرف حتى القراءة والكتابة ولكنه يُعتبر من الخواص، لأنه من أصحاب البصيرة والتحليل والفكر.

كذلك يجدر الذكر بأن الخواص لا يعني أنهم أناس صالحون، بل كما أن هناك خواص من أنصار الحق كالأولياء والأوصياء وأصحابهم الأوفياء، كذلك هناك خواص من أنصار الباطل، يعملون بالفكر والتحليل والتخطيط لنصرة الباطل، كمعاوية ويزيد وأمريكا وإسرائيل وأصحابهم الأوفياء.

ما هي صفات خواص الحق؟

البصيرة

لأن أكبر صفة يمتلكها خواص الحق هي صفة البصيرة وهي تعني وضوح الرؤية وانشراح الفؤاد. البصيرة أن تعرف جيدا وبكل وضوح الحق وأصحابه وكأنك ترى نورهم أمامك. ومن أهم عوامل نفوذ البصيرة هي الإيمان والتقوى والإخلاص. لأن الإيمان يساعدك على طاعة الله واتباع الخطوط الواضحة الرئيسية في القرآن والعترة. فعلى سبيل المثال: يقول القرآن بأن تتبع الحق، فإذن أتبعُ الحق. أبحث عن الحق أين هو وأتبعه. فالحديث يقول: اعرف الحق تعرف أهله. الأمر ليس بالعكس، بأن أتبع شخصا/عالما/مرجعا لمجرد حبي له. خطورة هكذا اتّباع هي أنه لو حصل خلل أو سقوط لهذا الشخص في المستقبل، فإنه سيأخذ كل أتباعه معه إلى الحضيض. ثم أن التقوى يعني أن يكون للإنسان قوة حاجزة تمنعه من تعدي حدود الله، والإخلاص يعني أنه لا يهمه أمر الدنيا وزخارفها، بل ما يهمه فقط وفقط هو رضا الله تعالى. هذه من أهم عوامل نفوذ البصيرة.

نقرأ في الحديث الشريف: «إنّ أولياءَ اللّه ِ هُمُ الذينَ نَظَروا إلىباطِنِ الدُّنيا إذا نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها ، و اشتَغَلوا بآجِلِها إذا اشتَغَلَ النّاسُ بعاجِلِها…» اشتغلوا بآجِلها أي نظروا في النتائج والعواقب. فلو أنا فعلت الفعل الفلاني، ما هي النتيجة والعاقبة؟ لو بنيت المسجد أو المأتم الفلاني في هذه المنطقة، فما هي العواقب والنتائج؟ هل هي جيدة؟ أم مثلا هذا البناء سيكون سببا لانشقاق صفوف المؤمنين؟

ومن أهم الأمور التي تساعد عمليا على زيادة البصيرة هي قراءة كتب الشهيد مطهري رحمه الله الله. الشهيد له حوالي ١٠٠ كتاب وبخلاف بعض المسلمين الذين شغلهم الشاغل طباعة الكتب التجميعية السطحية والتفاخر بعدد مطبوعاتهم، كتب الشهيد مطهري فيها عمقا وتحليلا عجيبا للأمور. فمثلا تعتريك حملات حقوق المرأة وأنها مظلومة في الإسلام؟ اقرأ كتاب نظام حقوق المرأة في الإسلام. جبهة الباطل صار يشن الحروب ضد الحجاب وتدعو إلى خلعه؟ اقرأ كتاب “مسألة الحجاب”. كتب الشهيد مطهري حقاً جديرة بصناعة شخصية إسلامية قوية بصيرة.

كذلك هناك الكثير من الشخصيات التي اشتهرت ببصيرتها العالية في الدفاع والثبات على الحق مثل مالك الأشتر النخعي، محمد بن أبي بكر، الحر بن يزيد الرياحي أو قيس بن سعيد الأنصاري.

قيس على سبيل المثال هو قدوة في الإيمان والاستقامة والصبر والبصيرة. كان من صحابة الرسول الأكرم وأمير المؤمنين والإمام الحسن عليهم السلام. كذلك كان من الشخصيات السياسية القوية في زمانه. أبوه سعد بن عبادة، رئيس قبيلة الخزرج ومن الذين دعوا الرسول إلى القدوم إلى المدينة، وقد بذل أمواله في سبيل نصرة النبي. ثم أنه امتنع عن مبايعة أبي بكر وهاجر إلى الشام وفي طريقه قُتل وأشاعوا أن الجن قد قتله.

إن قيساً كان من الذين جاهدوا في جيش الإمام علي عليه السلام عندما خرج من المدينة نحو البصرة لمحاربة الناكثين (طلحة والزبير). بعد حرب الجمل عينه الإمام حاكما على ولاية مصر وأعطاه الإمام جيشا ليحرسه أثناء سفره إلى مصر، فلما رأى تجهيز الإمام لحرب صفين لم يرض بأن يأخذ معه جيشا ويقلل من عدد جيش الإمام، فسافر مع أهل بيته لوحده.. هذه بنفسه تضحية وتدل على صدق إيمان الرجل وثباته على المبدأ وعدم تعلقه بمغريات الدنيا.

وعند وصوله إلى مصر خطب في مسجد الفسطاط ونعت الإمام علي بأنه خير البشر بعد النبي وهذا يدل على قوة ولائه وجرأته. ولكي يستميله معاوية إلى نفسه، كتب رسالة إلى قيس وقال: «من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، سلام عليك. أما بعد… فإن استطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين (الكوفة والبصرة) إن أنا ظفرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا ما تحب فإنك لا تسألني عن شيء إلا أوتيته، والسلام». أي عرض عليه الدنيا وما فيها، فلم يردّ قيس على رسالة معاوية بسرعة وجعله في اضطراب مدة من الزمن موجهاً أنظاره باتجاه مصر، وفي يوم من الأيام وصلت رسالة قيس المغلقة إلى يد معاوية وجاء فيها: «العجب من اغترارك بي والطمع فيّ، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة وأقولهم للحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك؟ طاعة أبعد الناس عن هذا الأمر وأقولهم للزور وأضلّهم سبيلا من الله ورسوله وسيلة، طاغوت من طواغيت إبليس؟» انظر إلى البصيرة العالية والإخلاص في اتباع ولي الله ونبذ حب الدنيا لديه.

ثم أنه ناصر الإمام الحسن عليه السلام في غربته عندما كان الجميع ساكتا، فكان يلوم الساكتين عن الحق ويحرضهم على قتال معاوية، وعندما جهز جيش الإمام الحسن عليه السلام، جعل الإمامُ عبيدالله بن عباس قائدا للجيش، وفي معسكر من معسكرات التدريب أرسل معاوية له رسالة واشتراه بمليون درهم ففر عبيدالله ليلا من جيش الإمام الحسن عليه السلام بـ ٨ آلاف مقاتل من أصل ١٢ ألف. فحتى عند حصول هذه الخيانة والضعف في المعسكر خطب قيس بن سعيد في الجيش وشجّع الناس على القتال، وهذا يدل على أن قلة العدد لم تهزه هزة بل ما كان يهمه هو نصرة الحق. ثم أنه حاول معاوية شراء قيس بنفس المبلغ ولكن واجهه قيس برسالة حازمة قال لمعاوية: «لا والله لا تلقاني أبدا بيني وبينك الرمح» فغضب معاوية من صلابته وأرسل له رسالة سب وشتم قال فيها: «أما بعد، فإنك يهودي ابن يهودي، تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك [أي انتصر فريق الإمام الحسن] نبذك وعذلك، وإن ظهر أبغضهما إليك [أي انتصر فريق المعاوية] نكل بك وقتلك». فكتب إليه قيس بن سعد: «أما بعد، فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيب، لم يقدّم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله وحزباً من أحزاب المشركين وعدواً لله ونبيّه».


وهناك صفات أخرى نذكرها على سبيل الخلاصة فقط منها:

ترك ملذات الدنيا عند الشدائد

ونعني ترك حب الثروة والشهرة والمنصب والجاه والمقام

الدفاع عن الحق في الوقت المناسب

لأن الحق له قيمة ذاتية في نفسه، فنحن نتبع الأشخاص لأنهم يتبعون الحق

فمثلا، الحركة المعروفة تاريخيا باسم حركة التوابين بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، لم ينصروا الإمام في الوقت الذي كان يحتاج إليهم وسكتوا عن الحق.. ثم ندموا وتابوا وحتى قُتلوا، ولكن لا يذكر التاريخ لهم ١ من ألف أثر كما كان لشهداء كربلاء.

الثبات على الحق

لأن القيم والأصول خالدة وليست قابلة للتغير بملاحظة الزمان والمكان، والمهم هو الثبات إلى آخر الطريق، فالشيطان كان على طريق الحق ولكن لم يثبت، وكذلك أمثلة تاريخية مثل بلعم بن باعوراء أو زبير بن العوام.

معرفة الصديق من العدو

فإنه مهم جداً أن أعرف صديقي من عدوي. إن الذي يختلف معي في التقليد في المرجعية ليس عدوي، إن أخي السني ليس عدوي. بل عدوي هو الذي يخطط بكل ما له من قوة ضد الحق، إن عدوي هو:

  • أمريكا
  • الصهاينة
  • الفكر الغربي المنحرف
  • التشيع اللندني الذي يدعو إلى لعن رموز إخواننا السنة ويمارسون ممارسات وشعائر خرافية وقبيحة
  • التسنن الأمريكي الذي يدعو إلى تكفير شيعة ومحبي أهل البيت عليهم السلام والتي نتجت منها حركات إفراطية كداعش وجبهة النصرة
  • جماعة السفارة الذين يدعون إلى نبذ تقليد المراجع لأنهم يدّعون أن لهم اتصالاً غيبياً مباشراً مع الإمام المهدي (عج). ناهيك أن الإمام الحجة (عج) لعن من ادعى الرؤية، إنهم يمتلكون أفكارا غريبة جدا لا يقبلها لا سني ولا شيعي، كشرعنة الزنا بالقول بعدم وجوب قراءة العقد الشرعي بين المتاحبَين (مقال على موقعهم)

الوقوف بشدة وعدم اليأس من أول جولة

في أي معركة هناك ربح وخسارة، هناك انتصار وفشل، والخواص يدركون هذا الأمر جيدا. القرآن يقول: «.. يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون…»

الصبر على اللوم والتقريع

إن الذي يتحرك في جبهة الحق لا بد له أن يسمع اللوم والتقريع من الأعداء، بل حتى من الأصدقاء الذين لا يفهمون ولا يقدرون على التشخيص الصحيح للموقف، لذلك لا بد من الصبر في هذا الطريق. يقول الإمام الخامنئي دام ظله: “عندما نقول يجب الصبر، يعني أن لا نسمح بتسلل الخوف إلى قلوبنا من جراء تهديد و رعيد الظالم الذي يؤدي إفساده و طغيانه إلى فساد الأمّة و انحطاطها، بل علينا أن نلقي من على سطح الصبر العالي فضائحه و ذلته.”

الروحية الجهادية في مواجهة العدو

والمواجهة ليست فقط في ساحات الحرب العسكرية، بل المواجهة ينبغي أن تكون:

  • سياسية
  • ثقافية
  • رياضية
  • فنية

ما هي أهم أسباب انحراف الخواص؟

نستطيع أن نذكر عدة أسباب ولكن لعله من أهم الأسباب هي:

حب الدنيا

لا بأس أن نبرهن على هذا من خلال قراءة سيرة بعض الأصحاب:

طلحة

في يوم من الأيام مدح أحدهم طلحة في محضر سعيد بن العاص، وقال عنه أنه رجل جواد، فرد عليه سعيد: “إن من له النشاستج لحقيق أن يكون جوادا”. والنشاستج هي ضيعة قريبة إلى الكوفة. لاحظ كيف تحولت حالة الزهد عند بعض كبار الصحابة من حال إلى حال آخر، فطلحة المعروف بطلحة الخير في زمن رسول الله (ص) صار الآن طلحة الذي يملك ضيعة بأكملها.

الزبير

فهو وطلحة طلبا من الإمام علي عليه السلام أن يجعلهما واليَين على الكوفة والبصرة فرفض الإمام ذلك. فماذا فعلا يا ترى؟ جمّعا جيشا وذهبا إلى البصرة وأسروا حراس دار الأمارة وقتلوهم وأخذوا عثمان بن حنيف ونتفوا لحيته حتى لم يبق له شعرة واحدة وأرسلوه إلى الإمام في المدينة.

الإمام علي عليه السلام جهّز جيشا إلى البصرة واتجه نحوهما وبدأ معهما سلسلة محاولات للإقناع والتفاوض، فأرسل عدة أشخاص ليقنعهم فلم ينفع. ثم رفع المصحف قاضيا بينه وبينهما فلم ينفع. ثم برز عليه السلام بنفسه إلى الميدان وذكّرهما بكلام رسول الله (ص) أنكما يوما ستقاتلان علياً وأنتما له ظالمان. فهنا عرف زبير خطأه وتذكّر قول رسول الله (ص) ولكن مع ذلك لم يتراجع من موقفه بحجة أن تراجعه يعتبر عاراً عليه. فقال له الإمام: «العار خير من العار والنار!» فندما فرجعا إلى جيشهما وقُتلا.

هذا هو نفسه الزبير المعروف بسيف الإسلام، هو نفسه زبير الذي كان من الذين دافعوا عن الإمام علي عليه السلام في بيته عند حادثة حرق الدار، فإذن ما هو سبب سوء العاقبة؟ ينقل الإمام الخامنئي دام ظله على لسان المؤرخ المشهور أبو الحسن المسعودي في كتابه: “وفي أيام اقتنى جماعة من الصحابة الضيّاع والدور، منهم الزبير ابن العوام بنى داره في البصرة وهي المعروفة في هذا الوقت – وهو سنة ٣٣٢ هـ سنة تأليف مروج الذهب – تنزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضاً دوراً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دُوَره وضياعه بمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية، وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأَمَة، وخططاً بحيث ذكرنا من الأمصار، وكذلك طلحة بن عبيدالله التيمي، ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكناسة بدار الطلحين، وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشرارة أكثر ما ذكرنا وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجصّ والساج.».

طبيعي لمن هو حاله هكذا من حب الدنيا وجمع العبيد والإمات والبيوت في مختلف المدن والبلدان أن لا يثبت على الحق. وكل الأسف أن هذا موجود في زماننا أيضا. إنه طبيعي جداً لمن يهاجر إلى الغرب وتقع نظره على بريق الدنيا ويدخل حبه في قلبه، أن يضعف في الدفاع عن الحق يوما بعد يوم. تراه يدافع عن حقوق الحيوانات والكلاب ولا يرضى أن يدافع بكلمتين عن أهل البيت عليهم السلام وهم أصحاب الحق.

عمرو بن العاص

  • أبوه من نزل فيه: «إن شانئك هو الأبتر» لأنه كان يسخر من النبي أنه لا ولد له.
  • كان ممن ذهبوا إلى النجاشي لاسترجاع المسلمين
  • كان إلى آخر حياته يهجوا الرسول وينشد ضده الأشعار
  • هو ومعاوية أحضرا الإمام الحسن عليه السلام إلى مجلس وجلسا يسبان أمير المؤمنين أمامه فما هو رد الإمام الحسن عليه السلام عليه؟ قال له: «وما أنت يا عمرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر، وإنك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال قريش، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسباً، أخبثهم منصباً، وأعظمهم بغية، وقال أبوك: أن محمداً رجل أبتر لا ولد له، فأنزل الله “إن شانئك هو الأبتر” ثم كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي، فحاق المكر السيء بك وأكذب أحدوثتك وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله العليا.».
  • ولاه معاوية على مصر إلى آخر حياته

فيا ترى ما سبب كل هذا القعود عن الحق؟ هو بنفسه يذكر ذلك. ينقل الشافعي لنا هذه المحاورة التي جرت بينه وبين عبدالله بن عباس قبل وفاته عندما ذهب للقائه ابن عباس وسأله: “كيف أصبحت يا عمرو؟” فأجابه: “أصبحت وقد أصلحت القليل من دنياي وأفسدت الكثير من ديني، ولو أن الطلب اليوم ينفعني لطلبت ولو استطعت الفرار لفررت، مثلي كمثل من يصعد إلى السماء ولا يستطيع الرقي، فهو معلق بين السماء والأرض لا يستطيع الصعود ولا يقوى على النزول.”.

أبو موسى الأشعري

وإليك هذه القصة التي أضحكتني والله فأبو موسى يوما من الأيام خرج في جهاد في سبيل الله. ولكن الذاهب إلى ساحة الحرب ماذا يأخذ عادة معه؟ لعله سيفه ودرعه وما شابه. هذا الرجل أخذ معه ٤٠ بغلا عليها السلام ممتلكاته الثمينة😁. كان يقول أخاف أن أذهب إلى الجهاد وأحد يسرق ما أمتلك من بيتي، فماذا يفعل؟ يحمل بيته معه!

هذا الرجل فيما بعد كان من جملة الذين عملوا ضد الإمام علي في حرب صفين في قضية التحكيم.

سعد بن أبي وقاص

  • اقترض من بيت المال، ثم مع وجود المال عنده لم يسترجعه
  • كان أول نزاع بين أهل الكوفة وهو السبب.
  • كان من الستة في قضية الشورى أي كان من الخواص.

الخوف والتردد

وهذا ثاني أكبر سبب لانحراف الخواص وإليك مثالين من السيرة والتاريخ:

شريح القاضي

أغلبكم قد شاهد مسلسل المختار الثقفي، يذكر ذلك المشهد عندما ابن زياد كان في قصر الكوفة فدعا هانئ بن عروة إليه، وهجم عليه ضربا وشتما وسجنه وأراد قتله، لأن هانئ كان من محبي مسلم بن عقيل والإمام الحسين عليه السلام. فهجم أنصار هانئ من قبيلته على باب قصر الكوفة وأقاموا اعتراضا صاخبا نصرة لهانئ وهددوا بالهجوم على القصر واستخراج هانئ. فماذا حصل؟ خرج عليهم ابن زياد من شرفة القصر وقال لهم أن هانئ مجرد ضيف عندي وما تفعلونه قبيح فارجوا، فلم يصدقوه وطلبوا شخصاً آخر ليشهد على صحة كلام ابن زياد، فاختار شريح القاضي، فشريح كان له احترامه الكبير بين الناس. يذكر شريح بنفسه مجريات القضية فيقول أنه ذهب إلى هانئ فرآه مدميا ومجروحا بشدة. يقول: إني كنت أستطيع أن أذهب إلى الناس وأخبرهم بحقيقة الأمر ولكن غلبني الخوف فترددت، فلم أخبر الحقيقة.

إن شريح بخوفه أرجع المعترضين إلى بيوتهم، ولو لا خوفه والله لما حصل مجزرة كربلاء وما ألحق العدو بالحسين سبط النبي وبأهل بيته. لو قال شريح الحقيقة لهجم أنصار هانئ على قصر ابن زياد، وأسروه أو قتلوه ولتشجع أهل الكوفة كلهم وللَحقوا بموج الاعتراض هذا، واستقبلوا الحسين عليه السلام في الكوفة، ولما حصل ما حصل.

التوابون

تكلمت عنهم بإيجاز ولكن هنا أريد التفصيل. هؤلاء كانوا من الذين كتبوا الرسائل الكثيرة إلى الإمام الحسين عليه السلام يطلبون منه المجيء إلى الكوفة لمناصرته وبيعته. جاء لهم خبرا مزيفا أن جيش يزيد الضخم قادم إلى الكوفة ومعه العناكب والأفاعي. نتيجة لخوفهم تركوا مسلم بن عقيل بل لم يلحقوا حتى بالإمام الحسين عند وصوله إلى أرض كربلاء.

ثم ندموا ونَووا الجهاد والقيام، ورغم أن عددهم عدة أضعاف شهداء كربلاء وصُرعوا في يوم واحد كشهداء كربلاء إلا أنهم لم يتركوا ١ من ١٠٠٠ من أثر شهداء كربلاء.

حب الراحة

فبدلا من البحث عن الحق والحقيقة واتباعها والالتزام بها وتقوية الإيمان والتقوى والجهاد ونشر الإسلام في المجتمع، نقضي وقتنا في:

  • مشاهدة الأفلام والمسلسلات
  • النوم
  • وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الفكاهة
  • متابعة الأخبار التي لا تؤثر في نصرة طريق الحق (آيفون جديد، سامسونج جديد)

ما هي آثار انحراف الخواص؟

مع بالغ الأسف، لو انشغل الخواص بحب الدنيا والراحة وغلبهم الخوف والتردد فإن آثار هذا الخذلان ليس بقليل. إن مجزرة عاشوراء في حق سيد شباب أهل الجنة لم تحصل بسبب خطورة خواص الباطل وقوتهم بل بسبب سكوت خواص الحق وخذلانهم، فما هو أثر أكبر من شهادة الإمام الحسين.

إن انحراف الخواص أيضا وسكوتهم في وقت كان يجدر بهم أن يتكلموا نتج عنه تغيير مصير العالم الإسلامي لقرون متمادية، فبدلا من أن يصر أمر الخلافة إلى من هو كان ينبغي له وصلت إلى من لا ينبغي له، فافترق الناس واختلفوا في ولاية أهل البيت وكثر اللغط بينهم. كم جميل قول علي عليه السلام: “لو وُلّيت عليها [أي على أمر الخلافة كما كان يريده الرسول] لما اختلف زوجان” وأما حالنا الآن فهو للأسف يرثى له 😔

الأثر الثالث لانحراف الخواص هو ميلان عوام الناس إلى جانب الباطل وضبابية الرؤية عندهم، فعندما تخاذل الخواص والنخب في الكوفة عن نصرة الحسين، تخاذل بالتالي عوام الناس عنها، واختلطت عليهم الرؤية وأصبحت ذبابية. إن الذين حضروا واقعة كربلاء ومزقوا كبد رسول الله (ص) بينهم وزير وأمير، وقائد وعالم، وقاضٍ وقارئ للقرآن. بل أكثر من ذلك.. وصلت الأمور إلى الحد الذي يأتون بحُرُم رسول الله إلى الشوارع والأسواق أمام أنظر الناس، وينادوهم بالخوارج… . لقد أشاعوا أن الإمام العادل هو يزيد بن معاوية، وصدّقهم الناس. السلطة الحاكمة قد تقول أباطيل كثيرة، ولكن العجب، لماذا يصدقهم الناس؟ ولماذا التزموا الصمت إزاءهم؟ بكل بساطة لأن العوام يميلون مع كل ريح.

هناك المزيد من الكلام حول هذا الموضوع، ولكن هذا خارج عن الطول الطبيعي لهذا المقال، وسأوكله إلى دورة أو ورشة مستقبلية إن شاء الله.

أدعوا كما دعا الإمام الخامنئي دام ظله في نهاية كتابه “الخواص واللحظات المصيرية” فقال:

اللهم أحينا لخدمة الثورة الإسلامية والقيم الإسلامية وأمتنا على هذا الطريق، اللهم اجعل موتنا قتلاً في سبيلك، وارفع درجات شهدائنا الأبرار يوماً بعد آخر، اللهم تفضل على المضحين منا بالأجر الجزيل ومُنَّ علينا بتمام الصحة والسلامة، اللهم اجعل أعلى الدرجات لمن تحمل المشقة على هذا السبيل، ولمن كانوا في الأسر مدة من الزمن وأطلق سراحهم أو لم يطلق سراحهم إلى الآن، ولمن فقدوا أو فقدت أجسادهم ولا أحد يعلم عنهم شيئاً، واكتب لعوائلهم الأجر والصبر. اللهم اقض حاجات المسلمين، وخلّص البلدان الإسلامية من مخالب الأجانب ومن براثن أمريكا، وأيقظ زعماء المسلمين من ثبات الغفلة، واستنقذهم من مستنقع الشهوات.

اللهم بحق محمد وآل محمد أرنا عزتك وقدرتك بمذلة وانكسار أمريكا وسائر أقطاب الاستكبار وأذنابهم، وأذق الشعب الإيراني حلاوة الانتصار عليهم، اللهم وكما محوت الاتحاد السوفيتي نسألك أن تمحوا بقية أقطاب الاستكبار، اللهم اشمل برحمتك وبركاتك كل من عاش ومات على هذا السبيل، اللهم تقبل بلطفك وكرمك كافة الأعمال والجهود.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مقاطع فيديو قصيرة (يتم التحديث باستمرار)

هذه المقاطع موجودة كذلك على باقي قنوات التواصل الاجتماعي

الدين ببساطة
أهمية قراءة كتب الشهيد مطهري
ضرورة معرفة الصديق من العدو
الفرق بين العوام والخواص
التعلق بالدنيا
اظهر المزيد
0 0 تصويتات
تقييم المقال
اشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
التعليقات الضمنية
أرني كل التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى