حول حملة “معلقات ينتظرن الإنصاف”

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية لنسائنا الصبورات ولرجالنا المنصفين

إنني رأيت منذ أيام حملة في موقع التواصل الاجتماعي تويتر تتكلم عن النساء المعلقات في المجتمع، فبعد قراءة تفصيلية لتغريدات أغلب المشاركين واستفادتي الشخصية من بعضها، وددت أن أكتب ما أراه تفصيليا في الموضوع، عل وعسى يقع مفيدا لكم.

أول أمر أريد أن أتكلم عنه حول جذور المشكلة وكيفية الوقاية منها من الأساس، فكثير من مشاكل الحياة الزوجية راجعة إلى سوء اختيار الطرفين.

حسن الاختيار أفضل وقاية

إن الله أمر الرجل والمرأة عند اختيار شريك الحياة بالتحقق جيدا من توفر عنصرين:

  • الأخلاق (النضج، الحكمة، التواضع، الإنصاف وما شابه)
  • والدين (الإيمان بالله ورسوله وبأن هناك يوم اسمه يوم الدين، يدان بكل صغيرة وكبيرة، الالتزام بالأحكام، التقوى وما شابه)

عدم الدقة في وجود هذين العنصرين في الطرف الآخر عند الزواج هو من جذور مشكلة المعلقات وكذلك الرجال المبتلون.

حق الطلاق بيد الزوج

ثم عند حصول المشكلات الكبيرة لم يجعل الله سبحانه وتعالى حق الطلاق بيد الزوجة؛ لغلبة العواطف عليها غالباً، حذرا من أن تستعجل في لحظة غضب أو يأس أو تقلب مزاج وتندم على الطلاق. من ناحية أخرى كان لا بد من إعطاء هذا الحق إلى أحد الطرفين، فأُعطِيَ للرجل لغلبة الحس الإداري عنده غالباً، فهو الطالب للمرأة منذ البداية ولا يريد خسرانها بسهولة.

أما إن كانت هناك امرأة ترى أنها تستطيع السيطرة على نفسها عند المشكلات الصعبة وفي أوقات الغضب، حتى وإن تفاجأت بأن زوجها قام بتأسيس أسرة أخرى مثلا، وأنها تستطيع أخذ جانب المنطق والعقلانية في حل المشكلات، فلها أن تشترط وكالة الطلاق في عقد الزواج، وتتفاهم مع الزوج فإما يقبل ويمضي في الزواج أو لا يقبل ويرى له موردا آخر.

ماذا يـ/تفعل من تعــ المشاكل الزوجية ــيش؟

  1. البحث عن حلول للحياة الزوجية والسعي لإنقاذها وتجديد المحبة بينها وبينه، ففي أحيان كثيرة، الاستشارة وعدم اليأس هو سبيل النجاة والسعادة، على المدى البعيد.
  2. إن كانت الأبواب كلها مسدودة فعلا ولم تنفع الاستشارات بعد سنين طويلة، لعل الطلاق هو الباب الأخير للخروج من سوء الاختيار هذا، طبعا لا بد من توقع الصعوبات. 

أنواع فسخ عقد الزواج:

هنا عدة صور لفسخ العقد الزوجي:

  1. الطلاق

إن كان الزوج هو الذي لا يريد الزوجة، فهذا يسمى بالطلاق، وعليه أن يدفع مهرها الذي حددته عند الزواج، فهو قد ضيَّع سنيناً من عمرها كان لها أن تعيشها مع رجل أفضل. طبعا إن طلبت مهراً فوق المتعارف والمعقول، لم تعمل بـ (أفضل نساء أمتي أقلهن مهرا) وساهمت في تعسير الزواج في المجتمع (وهذا له أضرار أخرى واضحة) وللرجل أن يرفض ويبحث له عن مورد آخر.

  1. الخلع

وإن كانت الزوجة لا تريده بسبب الكراهية له وهو محب لها، فهذا خلع، وعليها أن تدفع له مبلغ فدية هو يحدده بحيث يتراضيان عليه، لأنها ضيعت سنينا من حياته. هنا أيضا إن طلب فوق المتعارف والمعقول يمكن للحاكم الشرعي رفض طلبه وإلزامه بالمتعارف، غاية الأمر أننا نعيش في دولة لا حاكم شرع فيها!

طبعا نكتة مهمة في الخلع وهي سبب الكراهية ما هو؟

الظاهر أنّه لا فرق بين أن تكون الكراهة المشترطة في الخلع:

✅ ذاتيّةً ناشئةً من خصوصيّات الزوج – كقبح منظره وسوء خلقه وفقره وغير ذلك-

✅ وبين أن تكون ناشئةً من بعض العوارض، مثل وجود الضرّة، وعدم إيفاء الزوج بعض الحقوق الواجبة أو المستحبّة.

❌ نعم، إن كانت الكراهة وطلب المفارقة من جهة إيذاء الزوج لها – بالسبّ والشتم والضرب ونحوها – فتريد تخليص نفسها منها فبذلت شيئا ليطلّقها فطلّقها لم يتحقّق الخلع، وحرم عليه ما أخذه منها، ولكنّ الطلاق صحّ رجعيّاً بالشرط المتقدّم.”

انظروا إلى الدقة والكمال في الأحكام الشرعية ومنتهى الإنصاف فيها.

  1. المباراة

أما إن كانا لا يريدان بعضهما البعض بسبب كراهة بعضهما البعض (فالكراهية من الطرفين)، فهذا مباراة (من التبري)، وهنا لا بد للمَبلغ الذي يطلبه الزوج أن يكون مساويا للمهر أو أقل منه، فيحصل بينهما شبه حالة تساوي ويذهب كل في سبيله.

الطلاق بهذه الخيارات الكثيرة والعادلة والمنصفة لا يوجد في أي دين أو قانون آخر. 

لماذا يستطيع الزوج أن يحدد أي مبلغ للفدية عند الخلع؟

لعل الحكمة من عدم تساوي مبلغ الفدية مع مبلغ المهر في حال الخلع، أن الرجل في الواقع صرف أكثر من مبلغ المهر على الزواج:

  • مصاريف العرس مثلا
  • اشترى لها سيارة مثلا

فإن كرهته الزوجة بعد عمر وأرادت خلعه، يريد هذا الرجل بطبيعة الحال بناء أسرة جديدة، ولا يريد تحمل مسؤولية مصاريف الزواج وغيرها بعد مضي عمر لا بأس منه من حياته.

ثم أن الزوج أيضا إن أراد الطلاق كان عليه المهر ومبالغ أخرى مستمرة حتى بعد الزواج.

وهنا لا بد من ملاحظة الجانب الإيجابي في كثير من الرجال أيضا، فهناك منهم من طلب شيئا رمزيا يسيرا جدا فقط لكي لا يلزم المرأة معه عندما وصلا إلى طريق مسدود وكان يقصد بها احترام قرار الزوجة والحصول على فضيلة أخلاقية. وهناك من المنصفين من طلبوا فقط المبلغ المعقول عرفا من باب تغطية الخسائر المادية، أو من باب تعسير وتأخير الأمر شيئا على الزوجة لعلها ترجع عن قرارها. فالمسائل المادية عادة توقف الإنسان عند القرارات الكبيرة، سواء دفع المهر من قبل الزوج، أو دفع الفدية من قبل الزوجة.

ماذا تعني المعلقة؟ وماذا تفعل؟

المعلقة هي المرأة التي تكون متزوجة شرعا ولكن في الوقت ذاته كأنها غير متزوجة بسبب ترك الزوج لها لمدة طويلة، فبتعبير الإمام الخميني (قدس سره): “… أن لا یهجرها و لا یذرها کالمعلقة لا هي ذات بعل و لا مطلقة”

المعلقة التي تركها زوجها غير مكترث لحالها لا تطالب بالخلع لأنها ليست هي الكارهة له في الغالب، بل هو في الظاهر كاره لها وتاركها. هنا إما:

  • تطليق بسلطة القاضي
  • أو طلب المباراة

ما الحل؟

من باب الوقاية:

أولا: الاختيار الحسن بالتدقيق في المعايير التي ذكرناها، عموم الفكر الغربي لا يريد منكم التدقيق في دين وأخلاق الطرف الآخر والتركيز البحت على الرومانسيات، والرومانسيات قابلة للزوال في أسبوع إن لم يكن الشخص ذو تقوى، ثم عند حصول المشاكل بسبب قلة دين وأخلاق الشخص، يتركنا الغرب في حالنا ويخدع غيرنا، أما الإسلام الجميل، فهو معنا منذ البداية ويرشدنا طوال الطريق، في اليسر وفي العسر.

ثانيا: ذكر شرط في العقد مفاده أن الزوج يعطي وكالة الطلاق للزوجة في حال اختفى عن الحياة الزوجية لمدة عام/عامين مثلا وتركها معلقة. طبعا إن اختفى الزوج، فلا يعني هذا أنها مطلقة، بل يعني أن لها وكالة في الطلاق وتستطيع طلب الطلاق من القاضي. هذا من أجل حل مشكلة المعلقة.

أما بالنسبة للتي تريد الخلع فيمكن ذكر هذا الشرط مثلا: بأنه ليس للزوج أن يطلب عند الخلع أكثر من ضعف مبلغ المهر مثلا.

من باب العلاج: 

ثالثا: تَدَخُّل أشخاص مؤثرين عند الزوج للذهاب والتكلم معه وإقناعه بالتنازل وتسريح الزوجة بإحسان وبأنه كيف يستطيع أن يعيش مع من لا تريده وما شابه. هنا لرجال عائلة الزوجة دور كبير، من له قوة إقناع، من له هيبة، من له قوة، من له أدوات ضغط، وما شابه

رابعا: مساعدة العائلة للفتاة بتوظيف محامي جيد وناجح في هذه القضايا، هكذا هي لن تتعب بالذهاب كل مرة والمحامي هو من أهل الخبرة ويعرف الطريق الأسرع.

خامسا: استشارة العلماء ذوي الخبرة في مجال الأسرة والطلاق، من جانبين: من جانب إعطاء الطرق العلاجية الفعالة، ومن جانب التكلم مع الزوج ووعظه وتخويفه من العقوبة الدنيوية قبل الأخروية.

سادسا: ترك الزوج لزوجته لمدة طويلة له أسباب، ولا بد من معرفة الأسباب، فلعلنا ان استطعنا حلها لم نحتج إلى الطلاق. كثير من الزوجات يردن الطلاق لأنهن يئسن من العلاج، ولكن بأيدي خبراء ومتخصصين وعلماء ممكن حل مشكلاتهم.

  • البعض يترك الزوجة لفقره الشديد، ويعوِّل الزوجة كل مصاريف الحياة، هنا لا بد من معالجة فقره من خلال توفير التوظيف.
  • البعض مسجون، فلا بد من المطالبة بحريته إن كان سياسيا محقا، أو استشارة طبية تخصصية إن كان يعاني من الإدمان، أو مساعدته في دفع قرضه ومديونيته.
  • البعض مهجور، فإما الزوجة تلتحق به، أو يُطالب بإرجاعه.
  • البعض غير راض عن تصرفات زوجته، فيتركها عنادا وعقابا، هنا لا بد من نصح الزوج بأن العناد ليس حلاً ونصح الزوجة بأن رضا الله في رضا الزوج وتعليمها طرق وفنون كسب محبته لإرجاعه.

سابعا: رفع قضية عليه تطالب الزوجة بالطلاق لأنها تعيش في عُسر وحرج 

ثامنا: تأسيس مراكز تساعد الزوجات المعلقات (لأي سبب من الأسباب) ماديا ومعنويا.

تاسعا: تركيز المراكز الثقافية الاسلامية على تبيين كرامة المرأة كطفلة وبنت وأخت وزوجة وأم في الإسلام وأهمية إعطاء المحبة للمرأة حتى بعض الرجال يدركون قدر هذا المخلوق المكرَّم العظيم. 

توصية للمشاركين في الحملة

الابتعاد عن أساليب وتعبيرات عاطفية

فلنبتعد عن أساليب وتعبيرات مثل “لازم الزوجة تدفع علشان تكتسب حريتها” فكما أننا لا نقبلها للزوج الذي يريد تطليق زوجته بأن نعمل حملة ونقول: “انظروا إلى الظلم الحاصل للرجل!! ما هذا؟! لازم يدفع المهر علشان يشتري حريته” كذلك لا نقبلها للمرأة. الواقع ان كل شخص يريد أن ينهي الزواج ينبغي ان يعوض الطرف الآخر عن تضييع سنين حياته. غاية الأمر أن قضية المهر أصبحت معروفة جدا عند الناس وقضية الفدية فلا.

كذلك فلنبتعد عن العاطفة في حملاتنا ونتكلم بلغة المنطق. فبدلا عن:

  • المرأة على طول مظلومة
  • إلى متى الظلم؟!
  • المجتمعات الذكورية
  • وينكم المشايخ؟!

فلنقل:

  • ما هي الأحكام الشرعية المختصة بالخلع؟
  • ماذا تفعل من تركها زوجها معلقة؟
  • ما هو الحل الشرعي والقانوني؟
  • ما هي البنود القانونية التي تصلح بأن ننتصر بها للشخص المظلوم في القضية بغض النظر عن الجنس.

هكذا الجميع يستفيد ونبتعد عن المشاحنات والجدالات العقيمة

الابتعاد عن جعل المشكلة وكأنها ظاهرة

التوصية الثانية هي أن نبتعد عن إظهار المشكلة وكأنها ظاهرة كبيرة جدا في المجتمع، فقط لأنها أصبحت ترند! نعم لو وُجدت إحصائيات دقيقة لمعرفة نسبة النساء المعلقات في البلد يمكن ترتيب أثرٍ أكبر. مشكلة التعليق ليست فقط في البحرين، بل في أغلب دول العالم حتى “المتطورة”، فهناك مَن لا تعلم هل زوجها أصلا حي أم ميت، أو في البلد أو خارج.. هذه حالات ومشكلات خاصة يُبتلى بها البعض، وليس الكل. عموم الثقافة الزوجية في البحرين وفي عمان مثا وفي غيرهما من الدول الاسلامية في حالة جيدة وتطور مستمر بفضل جهود العلماء والمتخصصين.

في النهاية أسأل الله أن يمن على نسائنا ورجالنا الصبر والتحمل والإنصاف والتقوى، والأهم من ذلك كله الوعي والبصيرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد
4 1 تصويت
تقييم المقال
اشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
التعليقات الضمنية
أرني كل التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى